فخر الدين الرازي

48

المطالب العالية من العلم الإلهي

فإن قالوا : هذا مدفوع من وجوه : الأول : إن الأنبياء عليهم السلام ، إنما جاءوا بلعن الشياطين والجن والأبالسة ، فكيف يعقل كون الأبالسة أعوانا لهم في تقرير المعجزات ؟ والثاني : إنه لو فعل الجني ذلك ، لوجب على اللّه تعالى أن ينصر إنسانا يأتي بمعاصيه ، لئلا يحصل التلبيس . وحيث لم يفعل ، علمنا أنه ليس من فعل الجن ، بل من فعل اللّه تعالى . الثالث : إن الجن لم يبلغوا في القدرة إلى هذا الحد العظيم . إذ لو قدروا عليه ، لوجب أن يصل منهم الشر العظيم إلى الأنبياء والعلماء الذين يشتغلون بلعنهم ، وسوء القول فيهم . قلنا : أما الجواب الأول فضعيف : لأنه لا يبعد أن يقال : إنهم لشدة رغبتهم في إبقاء الشبهات والأباطيل ، يتحملون ذلك الطعن واللعن ، ومع ذلك فيعينون هؤلاء الدعاة على سبيل الكذب ، ليحصل غرضهم من ترويج هذه الشبهات . وأيضا : فلعل المراد بهذا اللعن : طائفة منهم ، والآتون بهذه المعجزات : أقوم آخرون . وأما الجواب الثاني : فضعيف أيضا لأنه مع قيام هذا الاحتمال أعني كون هذه المعجزات أفعالا للجن . لو جزم المكلف بكونها صادرة من اللّه تعالى ، لكان التقصير من المكلف ، حيث جزم لا في موضع الجزم . وهذا كما قلنا : في إنزال الآيات المتشابهة ، فإنها وإن كانت عظيمة الإبهام لهذه الأباطيل ، إلا أنه لم يقبح صدورها من اللّه تعالى ، لقيام الاحتمال فيها ، فكذا هاهنا . وأما الجواب الثالث فضعيف : لأن الأنبياء عليهم السلام أطبقوا على إثبات القوة العظيمة لهم . فإنكار هذه القوة يوجب تكذيب الأنبياء . وذلك من أعظم المطاعن في نبوتهم . الاحتمال الرابع : قالوا : أكثر أهل الدنيا أطبقوا على إثبات الملائكة .